فخر الدين الرازي

128

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير . المسألة السابعة : روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول : « لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة » وروى : « أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يسر على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشا ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى ) فقالت عائشة : لا آب غائبكم ، ولا زالت نساؤكم في لزبة » واللّه أعلم . أما قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح ، فكأن سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة ، فما الدليل على وجود الرب ؟ فقال : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم السلام والدليل عليه ما حكى اللّه تعالى عن إبراهيم عليه السلام ، أنه قال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهارون عليهما السلام : فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى [ طه : 49 ] ؟ قال موسى عليه السلام : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [ العلق : 1 ، 2 ] هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [ العلق : 3 ، 4 ] وهذا إشارة إلى الهداية ، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة ، فقال : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيرا لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر ، ومشاهدة الإنسان لها ، واطلاعه عليها أتم ، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة ، ثم هاهنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : خَلَقَ فَسَوَّى يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها أحدها : أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة ، على ما قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، وثانيها : أن كل حيوان / فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها : أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات ، وأما من حمله على جميع الحيوانات . قال : المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال : المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفا بوصف الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب . المسألة الثانية : قرأ الجمهور : قَدَّرَ مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف فقال القفال : معناه ملك فهدى وتأويله : أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [ المرسلات : 23 ] بالتشديد والتخفيف .